الأدب العربي في ظل الإسلام

الأدب العربي في ظل الإسلام

10

منذ سنة

لم يكد الإسلام يظهر ويتجاوز الجزيرة أيام أبي بكر وعمر حتى انتقلت معه اللغة العربية وما فيها من أدب، وانتقل معها كتابها المقدس (القرآن الكريم).

ولم يكد القرآن الكريم يستقر في الأمصار خارج الجزيرة حتى بدأت الشعوب تتأثر به تأثرا سريعا.

ولم يكد ينتهي القرن الأول ويبتدئ القرن الثاني حتى أخذت شعوب البلاد التي فتحها المسلمون -في الشام ومصر والعراق وإفريقيا الشمالية وفي إسبانيا- تتطور تطورا سريعا؛ كلها يسرع إلى الإسلام، وكلها يحاول أن يتعلم لغة الإسلام، وكثير منهم لا يكتفي بتعلم اللغة، بل يريد أن يتقنها ويتقن آدابها، وأن يكون له حظ موفور من هذه الآداب.

وما نكاد نصل إلى منتصف القرن الثاني حتى نجد أن كثرة الشعراء ليست من العرب، بل من الشعوب الأجنبية التي أخضعها العرب.

فأنتم عندما تستعرضون الشعراء الذين امتازوا في القرن الثاني، والذين تفخر بهم الحضارة الإسلامية، والذين كانوا جمال بغداد والعراق، تجدون كثرتهم إما من الفرس، وإما من الموالي من أصل سامي (نبطي أو آرامي) أجادوا العربية وبرعوا فيها، وأصبحوا شعراء ينافسون شعراء العرب، ويستأثرون دونهم بالمكانة الأولى.

ثم لم يكد يتقدم هذا القرن الثاني حتى نرى اللغة العربية التي كانت منذ قرن لغة منحصرة في جزيرة العرب بل في شمالها، لا يتكلمها إلا طوائف من البدو حظهم من الحياة الخشنة أشق من أن يوصف، قد لانت وسهلت وأخذت من المرونة بحظ عظيم، واستطاعت أن تسع آداب الهند وفلسفة اليونان وثقافة الفرس.

كل هذا في زمن قليل لا نكاد نصدق أنه يكفي لتنتقل هذه الثقافات إلى لغة واحدة، وأن تتحول هذه الأمم إلى أمة واحدة متجانسة في الشعور، متجانسة في التفكير، لها حضارة واحدة، لا يظهر فيها اختلاف.

(...) ومهما يكن من شيء، فإن القرنين الثاني والثالث للهجرة، شهدا هذه الظاهرة الغريبة، وهي أن هذا العالم الذي كان قبل ظهور الإسلام منقسما قسمين: أحدهما تابع لسيطرة الروم، والآخر تابع لسيطرة الفرس، هذا العالم الذي كان منقسما أشد الانقسام، ومتباينا أشد التباين، في التفكير والشعور، حتى إن الحروب كانت متصلة فيه دائما، تحوّل بفضل ظهور الإسلام، وبفضل انتشار اللغة العربية والثقافة الجديدة، إلى أمة واحدة متّحدة في كل شيء تقريبا لغتها العلمية والأدبية واحدة هي العربية، فيها تتكلم، وفيها تنشئ شعرها وتكتب نثرها، وفيها تضع كتبها العلمية.

تحققت إذن هذه الظاهرة العربية الغريبة، ومنذ ذلك الوقت ظلت اللغة العربية لغة هذا القسم العظيم من العالم القديم، مع أن الآداب التي كانت سائدة في العالم قبل العربية لم تكن بسيطة ولا يسيرة. ويكفي أن نلاحظ أن البلاد المفتوحة كانت خاضعة لسلطان الأدب اليوناني، وهو إلى الآن أقوى أدب عرفه الإنسان، وقد أثّر منذ الإسكندر في عقلية العالم تأثيرا كبيرا.

---------------------------------

المصدر

طه حسين: من حديث الشعر والنثر

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة

ص 14 -15 (بتصرف).

Powered by Froala Editor